9 ديسمبر 2010

رائعة الكاتبة اللبنانية غـادة صليبا . أغمضت امى عينيها

اقدم لكم رائعة الكاتبة الرقيقة غادة صليبا
أغمضت امى عينيها
فهى ليست مرثية لام فقدت انما همسات مشبعة بانين الفراق وشجون الوحدة
لشى فقد ليس كأى شى وانما هو جزء من القلب فقد ولن يأتى مرة اخرى
جرح لا يندمل و حب لا يعوضه احد هى همسات لحب فقد ولا يريد منك ثمن لعطاء لا ينضب
لقلب لا يهمل وعقل يسمع ولا يراجع فقط تسمع وتسمع
كأن ليس لاحد وجود غيرك انت فقط وهى
تغمد الله روحها بالرحمة لانها اتت لنا بلؤلؤة ثمينة مثلك
وجعل قبر امى روضة من رياض الجنة
واجمعنا بامهاتنا فى جنة عرضها السموات والارض
امين يارب العالمين
اترككم مع الرائعة غــــــــــــــــــــــــــــــادة

***************************


 نقف أحياناً أمام العواطف المتسابقة، نحاول التقاطها كالنجوم البعيدة في ليالٍ ربيعية، وتبدو لنا قريبة بالرغم من عدم وجودها إلا في مخيّلتنا. يأتينا كل فصل متجدد ليزور العمر الذي تسكنه الذكريات التي كبرنا معها. إن حكاية الأم تبقى الأعمق في قلوبنا والأكثر انطباعاً في أذهاننا؛ تتهادى الروح لتكتب قصائد لها وتهديها الورد بلونّه الزهريّ. حاولت جاهدة وأنا أحدّق في مفكرتّي مترقبة تاريخ عيد الأم الذي نحتفل به، ألا أكون ابنة تقليدية. فلم عليّ أن أحتفل بهذا اليوم تحديداً؟ مع أنني في أعماقي لا أحتفل بأمي وإنما أقدّسها. لم أكتفِ بعد، بذلك الشوق الذي لا تزيله كل أفراح الكوّن بأسره، وحجم الحزن المكرّس في وحدتي بين أوراقي وخفايا مفرداتي. اعتقدتُ بالأمس، أن الأم لن يهمها أن نكتب لها الكلمات ولا أن نصلّي معها في دعائها الصامت لنا، فهي لا تكترث لهذه التفاصيل الصغيرة بقدر ما تتمنى وجودنا بكيانها، كيفما وأينما كنّا. هي، بدورها كامرأة، تحمل على عاتقها الصبر المفعم بالأحلام التي تصبو لتحقيقها من خلال أرواحنا وأجسادنا.الآن.. تجتاحني رغبة بالبكاء لتصاحب أناملي المرتجفة وهي تخط عنها، رغبة تشبه الغيّم الرمادي حين يلتقي صعق الرعد بحرارة الجمر، وينهمر معه من سقف الأفق كل المطر الحزين البارد، فيجلّدني بحبيباته ويضيف جواً دافئاً لمن يشاهده خلف زجاج نافذته، ويعطي الراحة النفسية لمن يغتسّل به في الشوارع القديمة والأزّقة الضيّقة. كثرٌ هُم الذين فقدوا أمهاتهم مثلي، وتكابروا على هذا الجرح المغمور بالدمع المؤلم، ذلك عندما تفقد أمك، يعترف لك العالم بأن الأمر لا يعني أحداً سواك. فتتجمد المياه في قلبك وتبدأ بسماع صدى تنهيدتكَ، وهو يعود إليكَ كلما ناديتَ اسمها مع لحن عالق في هيكل ذاكرتكَ؛ كم تتمنى أن تحطّمه وألا تقف على أنقاضه نادماً.كانت أمي لا تعرف الطريقة المثلى للتعبير عن حبها للحياة المكنونة في داخلها، لكنني كنت واثقة بأنها كانت مخزّوناً للحنان ومنبعاً للسلام. كنت لا أتفق معها، ولا أنصّت لنصائحها، ولم يعجبها يوماً هدري لوقتي الثمين على ورقة، لأذرف حبر أحاسيسي المختنقة. كان برأيها، أن الفيّض بالمشاعر لن يحميني من قسوة الدهر ولن يطعم أولادي خبزاً. استمر حلمي وصارحتها بأنني لن أتخلى عنه حتى إن لم تأبه بقراءة دفاتر أشعاري. كنت أشعر بالوحدة الجارحة في الصميم، فكيف لأمي أن تقمّع عشقي للحرف؟أغمضت أمي عينيها في ذلك اليوم منذ شهور قليلة، مخلّفة وراءها كل الأشياء وأنا. رحَلَت من دون نداء وقد كان العيد السابق جافاً، في حينه كانت غاضبة مني؛ فهي لم تقتنع بأنني سيدة نفسي ولم تدرك في لحظة ما، بأنني كنت على الدوام طفلتها الأبدية. أيحّقُ لي أن أفسّر هذا التجلّي في الحب؟ فإنه جنين أوانه ولا يستبق أي إنذار وتخطيط لنبضات قلبه.بعثرتني هموم أيامي، ولم أعرف بأي اتجاه أسير، فنور والدتي يشرق معي كلما نظرت إلى زاوية قابعة في ظلمتها. تهتّز روحي مثل الأغصان وكالبلابل المغرّدة الخائفة من غدر صيّادها، عندما تكون هائمة مع حرّية أوطانها. إنني أرى وجه أمي في كل تقاسيم الصخور المنحوتة بأيّدي المبدعين في إغواء الحسّ البشري والملائكي معاً. يجذبني حضورها الغائب في كل امرأة تحمل صغيرها في أحشاء كبريائها، وتهدهدهُ على سرائر من حقول وفائها المتدليّة إلى ينابيع من العطاء. هكذا كانت الأمهات وستبقى، نشيداً لبقاء خالد الترنيم، وتكوين ثمرته تسترقُ وشاح الشفق عند السجود.

ليست هناك تعليقات: